عبد الملك الثعالبي النيسابوري

295

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

ومدققا فيه ومتوفرا عليه ، ومتوصلا إلى استنباء دفينه واستثارة كمينه ، والافصاح بكلياته وجزئياته ، غير مغرق في تفخيم ما يلوح من السعادة سهلها اللّه تعالى . كيلا أتوقع منها أكثر من حدها ، ولا مقتصرا في الإنذار بالمنحسة صرفها اللّه تعالى ، لئلا أكون كالغافل الذاهل عنها . فإن ثمرة هذه الصناعة هي تقدمة المعرفة بما يكون ، والاستعداد له بما يمكن . ولا أقول إن ذلك يؤدي إلى دفع مقدور نازل ، ولا معارضة محتوم حاصل ، ولكني أقول : ربما كان من سعادة السعيد أن يعلم هذا الأمر فيتصدى لحيازة ما يجب ، ويتوقى حلول ما يكره ، وربما كان من منحسة المنحوس أن يجهله فيكون كالمسلوب بصره وسمعه ، الذي لا يرى فيتحفظ ، ولا يسمع فيتيقظ . وكلا الأمرين لسابق قضاء اللّه تعالى موافق ، ولمتقدم علمه مطابق . وإنما ذكرت ذلك استظهارا لنفسي إن تعداك كتابي إلى غيرك ، ممن لا يهتدى للجمع بين الأمرين ، والتعلق منهما بالعروتين ، فيظن أن المراعي لأحدهما مخل بالآخر ، وعندي أن الفاصل بينهما لا يخلو من أن يكون ناقص الحظوظ في أدبه ، أو ناقص اليقين في دينه . وأنت ولي ما تفضل به في ذلك معتمد تقديمه ، وترك تأخيره ، إذ للنفس راحة في تيسير المنتظرات ، وعليها كلفة في أن تتمادى بها الأوقات ، على أن ظني بك الإيثار لما أثرت ، والتحرز مما حاذرت . فصل من رسالة عن صديق له في الخطبة ولو لم يكن للخاطب إلى المخطوب إليه سبب غير ابتدائه إياه بالثقة ، والتماس المشابكة ، ورضاه به شريكا مفوضا في الولد واللحمة والحال والنعمة لكفاه وأجزأه ، وأغناه عن كل ما سواه ، حتى إنه لو خطب إلى زاهد لوجب عليه أن يرغب أو إلى معتاص للزمه أن ينقاد ، لأن هذا المطلب إذا صدر عن الأحرار إلى الأحرار استهجن الرد عنه ، والمقابلة له بضده ، فكيف وقد انتظمت بيننا دواعي الإجابة ، وارتفعت عن المدافعة ؟ وباللّه جهد المقسم أن والدي أيدهما اللّه تعالى يسومانني التأهل منذ سنين كثيرة ، فأحمل نفسي على التقاعس عما آثره مع ما